محمود توفيق محمد سعد

154

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

بهذا يبين لنا الحقّ جلّ جلاله أن القرآن الكريم مقصوده الأعظم دلالة العباد على الصراط المستقيم إلى معرفة ربهم وخالقهم وما يرضاه منهم ، فيأخذوا به ، وما لا يرضاه منهم ، فيجتنبوا المهم أنّ في تبيان هذا المقصود وتحقيقه وتحريره وتعيينه معيارا لكلّ من سعى إلى تأويل كلمة أو جملة أو آية أو معقد أو سورة من القرآن الكريم : أن يكون في تأويله هذا ما يتجلى فيه منهاج القرآن الكريم في الهداية إلى الصراط المستقيم ، وكلّ تأويل لا يتحقق به ذاك فليس من الاجتهاد في استنباط المعنى القرآنيّ الكريم استنباطا علميّا محررا من شوائب الغفلة والزيف والضلالة والتدليس وإذا ما كان للقرآن المجيد مقصود أعظم تتناسل المعاني منه فإنّ اللّه عزّ وجلّ من فيض رحيميته قد جعل القرآن العظيم سورا تتفاوت في عدد آياتها وطولها ، وجعل كلّ سورة من آيات وجعل الآيات جملا ، فهو جلّ جلاله أحكمه ثمّ فصّله ، وذلك وجه من وجوه المعنى القرآني في قوله سبحانه وتعالى في مستفتح تلاوة سورة " هود " : الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ( هود : 1 ) ومن ثمّ فإنّا نرى البيان القرآنيّ قد فصّل إلى سور ، والسور إلى معاقد ( فصول ) والمعاقد إلى آيات والآيات - غالبا - إلى جمل . والعلائق فيما بين هذه علائق تناسب وتناسل بكلّ ما تحمله هاتان الكلمتان : تناسب وتناسل من دقيق المعنى وجليله الجنس البشري في عالم الخلق مكونا من قبائل وشعوب ، وكانت القبيلة مكونة من بطون والبطون من أسر والأسر من أفراد وكان الفرد مكونا من أعضاء متلاحمة ، وهذا ما أراد اللّه سبحانه وتعالى بالجنس البشري قدرا أن يكونوا عليه في تناسبهم وتناسلهم ، وإن كان كثير منهم في حركة سلوكهم على غير ما أراد اللّه تعالى منهم تكليفا ، فنظرنا إلى ما أراد اللّه سبحانه وتعالى بهم : ( قدره ) إذ هم جميعا عبيده لا ما أراد منهم ( تكليفه ) إذ قليل منهم عباده : كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى ، إذا ما كان هذا فهل لنا أن نقول تقريبا لا تصويرا : إن السورة في البيان القرآني كالقبلية ، وكلّ سورة مكونة من معاقد هي كالبطون للقبيلة ، وكل معقد مكون من آيات هو كالأسر للبطن ، وكلّ آية من جمل هي كالأفراد للأسرة ، وكل جملة من كلمات هي كالأعضاء بالنسبة للفرد في بناء جسده : منزل الكلمة من الجملة منزل العضو من الفرد ومنزل الجملة من الآية منزل الفرد من الأسرة